انقلاب في خريطة التضخم يمنح الأسواق الناشئة أفضلية نادرة
تشهد خريطة التضخم العالمية تحولًا غير مألوف. فبعد سنوات كان فيها التضخم المرتفع سمة لصيقة بالأسواق الناشئة، بدأت معدلات الأسعار في عدد من هذه الاقتصادات تهدأ إلى مستويات أصبحت في بعض الحالات أقل من نظيراتها في الدول المتقدمة. هذا «الانقلاب» يمنح البنوك المركزية في دول مثل البرازيل والمكسيك وإندونيسيا مساحة أوسع للحديث عن تخفيف السياسة النقدية، في وقت لا يزال فيه الفدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي أكثر حذرًا.
يعود هذا التحول إلى مسارين متوازيين. أسواق ناشئة كثيرة تحركت مبكرًا بعد الجائحة ورفعت الفائدة بقوة للسيطرة على التوقعات التضخمية، بينما لا تزال الاقتصادات المتقدمة تعاني من ضغوط في أسعار الخدمات والأجور وعجوزات مالية كبيرة. النتيجة أن التضخم في عدة أسواق ناشئة يبدو الآن منضبطًا بشكل لافت مقارنة بنظرائه في العالم المتقدم.
سندات محلية تحت الأضواء مجددًا
أحد المستفيدين الرئيسيين من هذا المشهد الجديد هي السندات الحكومية بالعملة المحلية. المؤشرات التي تتابع دين الأسواق الناشئة في عملاتها أظهرت أداءً أفضل من كثير من السندات في الاقتصادات المتقدمة هذا العام، مدعومة بتباطؤ التضخم وتزايد الرهانات على خفض الفائدة في 2026. مدراء محافظ كانوا قد خفّضوا انكشافهم على هذه السندات خلال دورة التشديد السابقة يعودون الآن تدريجيًا، بحثًا عن عوائد حقيقية أعلى.
أما في سوق العملات، فالصورة أكثر تباينًا. عملات الدول ذات البنوك المركزية الموثوقة والمسارات الواضحة لتراجع التضخم — مثل الريال البرازيلي والبيزو المكسيكي — جذبت استراتيجيات «الكاري تريد». لكن بلدانًا أخرى ذات أوضاع مالية أضعف أو مشهد سياسي مضطرب لم تستفد بالقدر نفسه، وتبقى أكثر عرضة لانتكاسات مفاجئة إذا ارتفعت عوائد السندات الأميركية مجددًا.
فرصة… لكنها ليست بلا ثمن
بالنسبة لصنّاع السياسة في الأسواق الناشئة، يمنح هذا الوضع فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لا يلغي التحديات. التسرع في خفض الفائدة قد يعيد إشعال التضخم ويقوض المصداقية التي بُنيت بصعوبة. وفي المقابل، الإفراط في الحذر قد يكبح النمو في وقت تظهر فيه مؤشرات على تحسن طفيف في التجارة العالمية والصناعة.
في الخلفية، يستمر شهية المستثمرين تجاه صفقات العائد (carry) في كل من السندات والعملات، ما يزيد خطر الإفراط في الاطمئنان. أي مفاجأة غير سارة — سواء في عوائد السندات الأميركية الحقيقية، أو نمو الصين، أو الجغرافيا السياسية — قد تعكس هذه التدفقات بسرعة وتذكّر بأن أصول الأسواق الناشئة لا تزال أكثر حساسية للصدمات.
حتى ذلك الحين، يشكل «انقلاب التضخم» هذا خبرًا إيجابيًا نادرًا لصالح الاقتصادات النامية: بعد سنوات تحملت فيها العبء الأكبر من صدمات الأسعار العالمية، تجد نفسها اليوم مع هامش مناورة أوسع قليلًا من نظرائها في العالم الغني.